المرونة النفسية: 5 علامات خطيرة للإرهاق النفسي الخفي

والإرهاق العاطفي الناتج عن الضغوط المستمرة في لبنان

المرونة النفسية لا تعني التظاهر بأن كل شيء على ما يرام. في لبنان، حيث لا تهدأ الضغوط، قد تتحوّل القوة الصامتة إلى إرهاق خفي. إليك خمس علامات يجب الانتباه إليها، وما الذي يساعد فعلاً.

العبء الخفي للقوة: متى تتحوّل المرونة النفسية إلى إرهاق عاطفي؟

عندما تصبح القوة عبئاً صامتاً

«يجب أن تبقى قوياً».

بالنسبة إلى كثير من الأشخاص في لبنان، أصبحت هذه العبارة استجابة متكررة لحالات عدم الاستقرار والضغوط الاقتصادية والخسارة والنزوح والتوتر المستمر. فالقوة تحظى بالتقدير، والصمود يُنظر إليه باعتباره فضيلة، بينما يُساء أحياناً تفسير التعبير عن الضعف أو الحاجة إلى الدعم على أنه علامة عجز.

ولكن ماذا يحدث عندما تتحوّل القوة من خيار شخصي إلى توقّع اجتماعي دائم؟

خلف المظهر الهادئ، قد يعاني الإنسان من الإرهاق العاطفي، واضطرابات النوم، والقلق المستمر، وصعوبة التركيز. فالقدرة على متابعة المسؤوليات اليومية لا تعني بالضرورة التمتع بصحة نفسية جيدة.

المرونة النفسية لا يعني غياب المعاناة، بل القدرة على التكيّف مع التحديات، مع توافر الموارد والدعم اللازمين للتعافي.

الصحة النفسية في لبنان

ماذا تقول الأبحاث العلمية عن المرونة النفسية؟

توضح دراسة علمية نشرها ساوثويك وزملاؤه (Southwick et al., 2014) في المجلة الأوروبية لعلم الصدمات النفسية أن المرونة النفسية عملية ديناميكية تتأثر بعوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية وثقافية.

وبالتالي، فإن الصمود ليس مجرد صفة شخصية ثابتة، بل قدرة تتطوّر من خلال العلاقات الإنسانية والظروف البيئية واستراتيجيات التكيّف وأنظمة الدعم المتاحة.

كما قدّم عالم الأعصاب بروس ماكيوين (McEwen, 1998) مفهوم «الحمل التراكمي للتكيّف»، الذي يشرح كيف يمكن للتعرّض المتكرر أو المطوّل للضغوط أن يؤدي إلى إجهاد فسيولوجي متراكم نتيجة استمرار تنشيط أنظمة الاستجابة للتوتر في الجسم.

وعندما تستمر الظروف الضاغطة دون فترات كافية للتعافي، قد يواجه الجسم والعقل صعوبة في الحفاظ على التوازن النفسي والجسدي.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في المجتمعات التي أصبح فيها عدم اليقين جزءاً من الحياة اليومية.

والإرهاق العاطفي الناتج عن الضغوط المستمرة في لبنان
المرونة النفسية لا تعني إخفاء التعب، بل فهم المشاعر وطلب الدعم عند الحاجة -الصحة النفسية في لبنان

5 علامات للإرهاق النفسي والعاطفي لا ينبغي تجاهلها

لا يظهر الإرهاق العاطفي دائماً على شكل انهيار نفسي واضح، بل قد يتطوّر تدريجياً دون أن يلاحظه الشخص أو المحيطون به.

1. التعب المستمر رغم الراحة

قد يشير الشعور بالاستنزاف الذهني بعد النوم أو أخذ إجازة إلى تأثير الضغوط المستمرة في قدرة الجسم والعقل على التعافي.

2. زيادة الانفعال والحساسية العاطفية

قد تؤدي المواقف اليومية البسيطة إلى الشعور بالإحباط أو البكاء أو الغضب بصورة تفوق ردود الفعل المعتادة.

3. صعوبة التركيز واتخاذ القرارات

يمكن للتوتر المستمر أن يؤثر في الانتباه والذاكرة العاملة والقدرة على اتخاذ القرارات وإنجاز المهام اليومية.

4. الخدر العاطفي وفقدان الاهتمام

قد يشعر بعض الأشخاص بانخفاض الاستجابة العاطفية أو الميل إلى الانسحاب من الأنشطة والعلاقات التي كانت تمنحهم المتعة سابقاً.

5. الشعور بالمسؤولية تجاه الجميع

قد يؤدي إعطاء الأولوية المستمرة لاحتياجات الآخرين، مع إهمال الاحتياجات الشخصية، إلى زيادة الأعباء النفسية والشعور بالاستنزاف.

هذه العلامات ليست معايير تشخيصية بحد ذاتها، لكنها قد تشير إلى الحاجة إلى الاهتمام بالصحة النفسية. وعندما تستمر الأعراض أو تؤثر في الأداء اليومي، يُنصح بطلب تقييم من مختص مؤهل.

لماذا لا يُعدّ كبت المشاعر دليلاً على المرونة النفسية؟

يعتقد كثيرون أن التحكم بالمشاعر يعني إخفاءها أو الامتناع عن التعبير عنها.

إلا أن دراسة أجراها غروس وجون (Gross & John, 2003)، ونُشرت في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، وجدت ارتباطاً بين الاعتماد المتكرر على كبت التعبير العاطفي وانخفاض مستوى الرفاه النفسي وضعف جودة العلاقات الاجتماعية.

في المقابل، ارتبطت استراتيجية «إعادة التقييم المعرفي»، التي تقوم على إعادة تفسير المواقف الصعبة بطريقة أكثر توازناً، بنتائج نفسية واجتماعية أفضل.

ولا يعني ذلك ضرورة التعبير الفوري عن كل المشاعر، بل إن التنظيم العاطفي الصحي يقوم على الاعتراف بالمشاعر وفهمها واختيار الاستجابة المناسبة لها بمرونة.

أن تتمتع بالمرونة النفسية لا يعني أن تتظاهر بأن كل شيء على ما يرام.

كيف نعزّز المرونة النفسية ونحمي صحتنا النفسية؟

يتطلب بناء المرونة النفسية المستدام استراتيجيات عملية وبيئات داعمة.

تبدأ الخطوة الأولى بالاعتراف بالحدود الشخصية والحاجة إلى الراحة. ويمكن للنوم المنتظم والنشاط البدني وأخذ فترات استراحة ووضع حدود واقعية للمسؤوليات أن تدعم الصحة النفسية.

وتؤدي العلاقات الإنسانية دوراً أساسياً أيضاً؛ إذ قد يساهم التحدث مع أشخاص موثوقين والمشاركة في مجموعات الدعم وطلب المساعدة المهنية عند الحاجة في الحد من العزلة النفسية.

وتُظهر الأدلة البحثية من لبنان أهمية التدخلات النفسية المتاحة. فقد تناولت تجربة سريرية عشوائية نُشرت عام 2022 تدخّل «خطوة بخطوة» (Step-by-Step) الرقمي والموجّه، الذي طوّرته منظمة الصحة العالمية، وشملت 680 مشاركاً يعانون من أعراض اكتئابية وصعوبات في الأداء اليومي.

وأظهرت النتائج تحسّناً في أعراض الاكتئاب والقلق والأداء اليومي والرفاه النفسي مقارنة بالرعاية المعتادة المعزّزة، مع ضرورة مراعاة حدود الدراسة المرتبطة بانسحاب بعض المشاركين.

وتؤكد هذه النتائج إمكانات التدخلات النفسية المنظمة والميسّرة في دعم الأشخاص الذين يواجهون ظروفاً ضاغطة وممتدة.

من القوة الفردية إلى الرفاه النفسي الجماعي في لبنان

تؤمن جمعية ذاتي ليبانون بأن المرونة النفسية لا يمكن أن يعتمد حصراً على قوة الإرادة الفردية.

فالأسرة والمدرسة ومكان العمل والمجتمع تؤدي جميعها أدواراً مؤثرة في الصحة النفسية والرفاه النفسي.

ويمكن للتوعية بالصحة النفسية، وأنشطة الدعم النفسي والاجتماعي الجماعية، ومساندة مقدّمي الرعاية، وتوفير أدوات عملية للتكيّف أن تعزّز عوامل الحماية على مستوى المجتمع.

كما يمكن أن يساعد استخدام المساحات المجتمعية القائمة والمواد التعليمية القابلة لإعادة الاستخدام والجلسات الجماعية التي يشرف عليها مختصون في توسيع الوصول إلى الدعم وتحسين كفاءة استخدام الموارد.

وفي المقابل، قد يؤدي تجاهل الضغوط النفسية إلى تفاقم المعاناة الفردية، وزيادة الأعباء على الأسر والخدمات الصحية والاجتماعية، وارتفاع التكاليف الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.

ولذلك، فإن تعزيز الصحة النفسية مسؤولية مشتركة تتطلب الجمع بين مهارات التكيّف الفردية وتوفير بيئات اجتماعية ومؤسسية داعمة.

رسالة أخيرة: القوة الحقيقية تشمل الحق في الراحة

لا تقاس المرونة النفسية بمقدار الألم الذي يستطيع الإنسان تحمّله بصمت.

فأحياناً، تعني القوة طلب المساعدة، أو الاعتراف بالتعب، أو وضع حدود صحية، أو منح النفس الوقت الكافي للتعافي.

ولا ينبغي للمجتمع الداعم أن يكتفي بالإشادة بقدرة أفراده على تحمّل الأزمات، بل عليه المساهمة في توفير الظروف التي تقلّل من الحاجة إلى الصمود المستمر.

لست مضطراً إلى أن تكون قوياً في كل لحظة حتى تتمتع بالمرونة النفسية. فأحياناً، يكون أصدق تعبير عن القوة هو السماح لنفسك بتلقّي الدعم.

جمعية ذاتي ليبانون — نحو تعزيز الصحة النفسية في لبنان والدعم النفسي الاجتماعي

Related Post